السيد محمد باقر الصدر

134

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

هذا المثل يكون معبّراً عن جزء من أفق الحركة ، بينما جُرّد منه ما يملأ كلّ أفق الحركة . الإنسان الأوروبي الحديث في بدايات عصر النهضة وضع مثلًا أعلى وهو الحرّية . جعل الحرّية مثلًا أعلى ، لأنّه رأى أنّ الإنسان الغربي كان محطّماً ومقيّداً ، كانت على يديه الأغلال في كل ساحات الحياة ، كان مقيّداً في عقائده العلمية والدينية بحكم الكنيسة وتعنّت الكنيسة ، كان مقيّداً في قوته ورزقه بأنظمة الإقطاع ، كان مقيّداً أينما يسير . أراد الإنسان الأوروبي الرائد لعصر النهضة أن يحرّر هذا الإنسان من هذه القيود ، من قيود الكنيسة ، من قيود الإقطاع . أراد أن يجعل من الإنسان كائناً مختاراً ، إذا أراد أن يفعل يفعل ، يفكّر بعقله لا بعقل غيره ، ويتصوّر ويتأمّل بذاته ولا يستمد هذا التصوّر كصيغ ناجزة من الآخرين . وهذا شيء صحيح ، إلّاأنّ الشيء الخاطئ في ذلك هو التعميم الأفقي ، فإنّ هذه الحرية بمعنى كسر القيود عن هذا الإنسان ، هذا قيمة من القيم ، هذا إطار للقيم ، ولكن هذا وحده لا يصنع الإنسان ، ليس هذا هو المثل الأعلى ، فإنّ هذا وحده لا يصنع الإنسان . أنت لا تستطيع أن تصنع الإنسان بأن تكسر عنه القيود وتقول له : افعل ما شئت ، لا يوجد إنسان ولا كائن ، لا يوجد إقطاعي ولا قسيس ولا سلطان ولا طاغوت يضطرّك إلى موقف أو يفرض عليك موقفاً . هذا وحده لا يكفي فإنّ كسر القيود إنّما يشكّل الإطار للتنمية البشرية الصالحة . يحتاج هذا إلى مضمون ، إلى محتوى ، مجرّد أنّه يستطيع أن يتصرّف ، يستطيع أن يمشي في الأسواق هذا لا يكفي ، أما كيف يمشي ؟ ما هو الهدف الذي من أجله يمشي في الأسواق ؟ المحتوى والمضمون هذا هو الذي فات الإنسان الأوروبي . الإنسان الأوروبي جعل الحرية هدفاً وهذا صحيح ، ولكنّه صيّر من هذا الهدف مثلًا أعلى ، بينما هذا الهدف ليس إلّاإطاراً في الحقيقة ، وهذا الإطار